
بدأت بعض شركات الشحن العالمية اختبار مسارات لوجستية بديلة لنقل البضائع إلى أسواق الخليج عبر موانئ السعودية المطلة على البحر الأحمر، في ظل اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.
وبحسب مذكرة صادرة عن شركة «البحر الأبيض المتوسط للملاحة» (MSC) يمكن للحاويات القادمة من آسيا أن تصل بحراً إلى ميناء جدة الإسلامي وميناء الملك عبدالله، قبل نقلها براً بالشاحنات إلى وجهات خليجية تشمل موانئ في الإمارات وقطر والكويت والبحرين، في إطار ما وصفته الشركة بحلول متعددة الوسائط لتقليل المخاطر التشغيلية وتسريع وصول الإمدادات. وتُعد موانئ البحر الأحمر السعودية نقطة عبور مهمة لبعض الشحنات الغذائية المتجهة إلى الخليج، لا سيما الواردات القادمة من أوروبا ومنطقة البحر الأسود والأمريكتين عبر البحر المتوسط وقناة السويس، قبل نقلها إلى داخل المملكة أو إعادة توزيعها براً إلى أسواق خليجية أخرى.
ويوفر هذا المسار قدراً من التنوع في طرق الإمداد لدول المنطقة، في وقت لا يزال الجزء الأكبر من الواردات الغذائية يصل عبر الموانئ الواقعة داخل الخليج العربي.
ويستغرق النقل البري من موانئ البحر الأحمر إلى بعض المراكز التجارية في الخليج نحو 4 إلى 5 أيام، بحسب الوجهة والمسار المستخدم، وفقاً للشركة، في وقت أصبحت فيه الرحلات البحرية المباشرة إلى موانئ الخليج أكثر عرضة للتأخير أو إعادة التوجيه نتيجة ازدحام السفن وتراجع حركة العبور عبر مضيق هرمز.
ولم ترد شركة البحر الأبيض المتوسط للملاحة (MSC) على طلب «الشرق» للتعليق على تأثير هذه المسارات البديلة على التكاليف حتى وقت النشر.
مسارات بديلة
تأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه سلاسل الإمداد العالمية ضغوطاً متزايدة نتيجة إعادة توجيه السفن، وارتفاع تكاليف التأمين، وتذبذب جداول الرحلات، مع تراجع حركة الشحن عبر مضيق هرمز، الممر الحيوي الذي تعتمد عليه دول الخليج في استيراد جزء كبير من السلع الغذائية والأساسية.
ويظهر تحليل لبيانات التجارة أن دول الخليج استوردت ما يقارب 10 مليارات دولار من الحبوب واللحوم والمنتجات الطازجة خلال عام واحد، كان معظمها يصل بحراً عبر مضيق هرمز، ما يبرز حساسية المنطقة لأي اضطراب طويل في حركة الملاحة.
وحذر تحليل صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) من أن اضطراب المرور عبر المضيق قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الغذاء والأسمدة والنقل عالمياً، في ظل زيادة أسعار الطاقة والشحن وأقساط التأمين، ما يفاقم الضغوط المعيشية في الاقتصادات الأكثر هشاشة.
في الإمارات، تشير «بلومبيرغ» إلى أن بعض الشركات بدأت بالفعل إعادة توجيه شحناتها أو نقلها جواً أو براً بالشاحنات لضمان استمرار تدفق السلع.
وقال سيفي روبوالا، الرئيس التنفيذي لشركة «لولو للتجزئة» الإماراتية، إن الشركة نقلت بالفعل لحوماً وفواكه وخضروات جواً من عدة أسواق لضمان استمرارية الإمدادات، في وقت تعمل فيه شركات أخرى على البحث عن مسارات بديلة تشمل النقل البري.
تكلفة أعلى وسوق أكثر تقلباً
تشير بيانات السوق إلى أن اضطراب الملاحة في الخليج دفع بعض السفن إلى التوقف أو تغيير مساراتها، بينما ارتفعت أيضاً تكاليف النقل البحري في بعض الخطوط، في انعكاس مباشر لتقلبات الطلب والمخاطر الجيوسياسية. كما شهدت تكاليف التأمين البحري ورسوم المخاطر الحربية زيادات حادة، حيث ارتفعت أقساط التأمين من نحو %0.2 من قيمة السفينة إلى ما يصل إلى %1 خلال أيام قليلة بعد بدء الحرب، وفق تقديرات سوقية، ما يعكس تصاعد المخاطر المرتبطة بالإبحار في المنطقة. كما فرضت بعض شركات الشحن رسوماً إضافية مرتبطة بالوضع الأمني.
المراكز اللوجستية
لطالما شكلت موانئ الخليج، وعلى رأسها ميناء جبل علي في دبي، مركزاً رئيسياً لإعادة توزيع البضائع إلى المنطقة، حيث تعامل الميناء مع نحو 15.5 مليون حاوية قياسية في عام 2024، في أعلى مستوى له منذ سنوات.
كما تشير بيانات شركة تتبع السلع «كبلر» إلى أن دول الخليج استوردت نحو 30 مليون طن من الحبوب العام الماضي، مر جزء كبير منها عبر مضيق هرمز. وتشمل هذه الشحنات سلعاً غذائية أساسية مثل الأرز والقمح والشعير والذرة، إضافة إلى فول الصويا وكسب فول الصويا المستخدم في الأعلاف والزيوت النباتية، وهي منتجات تعتمد عليها أسواق المنطقة بدرجة كبيرة لتلبية الطلب المحلي.
لكن التحولات الأخيرة قد تدفع إلى توزيع أكثر تنوعاً لنقاط الدخول اللوجستية، إذ قد يعكس الاعتماد المؤقت على موانئ البحر الأحمر السعودية توجهاً جديداً نحو تنويع مسارات الإمداد إلى الخليج، خصوصاً في فترات الاضطراب، ما قد يعزز دور النقل البري والحلول متعددة الوسائط في دعم استمرارية سلاسل الإمداد.
وتعتمد العديد من اقتصادات الخليج على الواردات الغذائية، إذ تستورد الإمارات نحو %90 من احتياجاتها من الأغذية، بينما تعتمد قطر أيضاً بشكل كبير على الواردات لتلبية الطلب المحلي.
وقد اضطرت مؤخراً شركات تجارة التجزئة والموردون في المنطقة للبحث عن مسارات بديلة لضمان بقاء الرفوف ممتلئة واستقرار الأسعار، في وقت عززت فيه الحكومات المخزونات الاستراتيجية وقامت بتنويع سلاسل التوريد.
وكانت الدوحة قد اضطرت خلال أزمة 2017 إلى إعادة رسم مسارات الإمداد الغذائية بشكل سريع عبر فتح خطوط شحن جديدة وتنويع الموردين، في تجربة عززت مرونة سلاسل التوريد لديها.
• بوابة مؤقتة أم تحول إستراتيجي؟
يبقى السؤال الأهم ما إذا كانت هذه الحلول تمثل استجابة مؤقتة للظروف الأمنية الراهنة، أم أنها قد تسرّع تحولاً أوسع في دور السعودية كمركز لوجستي إقليمي، في ظل استثماراتها المتزايدة في الموانئ والبنية التحتية وسلاسل الإمداد ضمن خطط التنويع الاقتصادي.
وفي حين لا تزال تدفقات التجارة مستمرة عبر عدة مسارات، يحذر خبراء في قطاع الخدمات اللوجستية والاقتصاد من أن تنويع الطرق البحرية والبرية والجوية أصبح جزءاً أساسياً من إدارة المخاطر في سلاسل الإمداد العالمية، خصوصاً في المناطق التي تشهد توترات جيوسياسية متكررة.
اقرأ أيضا بنفس القسم
رغم تعرض مبناها لاستهداف الغدر الايراني
مع تصاعد الصراع في الشرق الأوسط الذي عزز الطلب على أصول الملاذ الآمن
لمدة 30 يوماً
ستتم عودة نحو 1600 مواطن إلى المملكة العربية السعودية ثم إلى الكويت براً
وزير التجارة يؤكد كفاءة منظومة التوريد واستمرار توفير المنتجات الزراعية للمستهلكين
البحث
الأكثر قراءة






