
انتهت مهلة الستين يوماً من مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران دون التوصل إلى اتفاق نهائي لإنهاء الصراع، وسط تباين حاد بين الطرفين حيث يرى محللون أن الولايات المتحدة وإيران في «لعبة حافة الهاوية».
ويبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يميل إلى استنزاف إيران اقتصادياً حتى تضطر إلى تقديم تنازلات جوهرية؛ رغم ارتباطه باستحقاقات داخلية مع اقتراب انتخابات الكونغرس النصفية. وفي موقف حاسم، قال ترامب أمس: إنه على إيران «رفع الراية البيضاء والاستسلام»، مؤكداً أنه «ليس مستعجلاً» ولا يلتزم جدولاً زمنياً محدداً لإنهاء الحرب.
وفي تصريح يعكس ضيق الهامش الزمني لدى طهران، قال مسؤول إيراني رفيع لوكالة «رويترز» إن طهران حددت مهلة تمتد لبضعة أسابيع أمام الولايات المتحدة لتنفيذ مذكرة التفاهم بالكامل، مشيراً إلى أنه سيتم إبلاغ واشنطن ودول المنطقة بهذا الإطار الزمني عبر الوسطاء، وأن بلاده لن تنتظر إلى أجل غير مسمى استمرار الحصار البحري الأمريكي، محذراً من أن جميع الأجهزة الإيرانية ستكون على أهبة الاستعداد لتصعيد التوتر في مضيق هرمز والمنطقة في حال فشل المسار الدبلوماسي، ومشدداً على أن طهران قررت تحويل سياستها من دفاعية إلى «هجومية بالكامل».
هذه النبرة التصعيدية تعكس عمق الأزمة الاقتصادية؛ إذ كشف النائب الأول للرئيس الإيراني، محمد رضا عارف، عن خطورة الواقع الراهن بقوله: «إن العدو، بعد هزيمته في الحربين الأخيرتين، يسعى لممارسة ضغوط اقتصادية بهدف إحداث انهيار اجتماعي»، مؤكداً أن واشنطن فرضت على بلاده «حرباً هجينة تسعى لاستغلال ارتفاع الأسعار». وقد وصلت معدلات التضخم في إيران إلى مستويات تخطت الـ%66، وأفاد المركز الإحصائي الإيراني بأن أسعار المواد الغذائية تضاعفت أكثر من مرتين منذ يوليو 2025. وبسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، لا يستطيع العديد من العمال الآن تغطية نفقاتهم المعيشية إلا لثمانية أيام في الشهر.
وكشف عارف، في تصريحات نقلتها وكالة تسنيم، عن توجهات حاسمة لمواجهة الضغوط المالية من بينها «تحرير الأسعار وخفض حصص البنزين تدريجياً». وتضع تصريحات عارف التهديدات الايرانية في سياقها الصحيح، إذ تكشف عن استعجال طهران للتوصل إلى اتفاق أو تفاهم يفك الحصار وينقذ الجبهة الداخلية من الانهيار.
وفيما يلي التفاصيل
انتهت مهلة الستين يوماً المنصوص عليها في مذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران، من دون التوصل إلى اتفاق نهائي لإنهاء الصراع، وسط تقارير على أن طهران استغلت هذه الفترة استعداداً لـ«حرب أوسع نطاقاً».
وبينما ركزت واشنطن على إعادة فتح مضيق هرمز والمضي قدماً في المفاوضات، كانت القيادة الإيرانية تتبع استراتيجية مختلفة تماماً، وفق ما أفادت به صحيفة «وول ستريت جورنال».
ويرى محللون أن أمريكا وإيران في «لعبة حافة الهاوية» بعد أن فاتهما الموعد النهائي للتوصل إلى اتفاق. وقال علي واعظ، نائب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، إنه مع انتهاء صلاحية مذكرة التفاهم وعدم التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب، فإن الولايات المتحدة وإيران تتعرضان لضغوط، ولهذا السبب هي لعبة حافة الهاوية، لكن المخاطر مختلفة تماماً.
وقال واعظ إن واشنطن «تختار محاولة إخضاع إيران» وتقبل التداعيات الاقتصادية الناتجة، بينما ترى إيران الاستسلام كمسألة وجودية، مضيفا أنه «مهما كلف الأمر، فمن غير المرجح أن يستسلموا ويرضوا لأنهم يعتقدون أن ذلك سيكون نهاية النظام».
ولفت واعظ إلى أن استراتيجية واشنطن المتمثلة في الضغط الاقتصادي على إيران ستؤدي ببساطة إلى نفس النتيجة السابقة - «تصلب الموقف الإيراني».
إيران تلوح بالتصعيد
وفي هذا السياق، قال مسؤول إيراني كبير لوكالة «رويترز»، الاثنين، إن بلاده «ستصعد التوتر في مضيق هرمز والمنطقة ككل في حال فشل المساعي الدبلوماسية» مع الولايات المتحدة، مشيراً إلى «تحول» في السياسة الإيرانية نحو «الاعتماد على الهجوم بدلاً من الدفاع». وأضاف المسؤول الإيراني: «لن ننتظر أن تواصل أميركا الحصار البحري إلى أجل غير مسمى»، لافتاً إلى أن طهران «حددت مهلة بضعة أسابيع لتنفذ أميركا مذكرة التفاهم بالكامل». وتابع قائلاً: «سيتم إبلاغ أمريكا ودول المنطقة بالإطار الزمني الذي حددته إيران عبر الوسطاء».
كما حذر العميد يد الله جواني، النائب السياسي للحرس الثوري، من أن القوات الإيرانية ستتبنى شكلاً «هجومياً» أكثر للدفاع في خضم الحرب المستمرة، وصرح لوكالة أنباء فارس بأن القوات المسلحة ستتبنى نهجاً «تحويلياً» في ظل قيادتها التي تم تجديدها أخيراً، بما في ذلك تحول محتمل نحو عمليات هجومية أكثر. زاعماً أن عدداً من التعيينات والتوجيهات التي أصدرها مجتبى خامنئي الأسبوع الماضي تعكس جهداً أوسع نطاقاً «لجعل عقيدة الدفاع أكثر فعالية».
ترامب غير مستعجل
وأمس قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لقناة فوكس نيوز إنه «ليس لديه جدول زمني» لإنهاء الحرب مع إيران، لكن الجمهورية الإسلامية يجب أن «ترفع الراية البيضاء للاستسلام». مضيفاً: «لست في عجلة من أمري».
وكرر ترامب تأكيده بأن «انتخابات التجديد النصفي لا علاقة لها بتفكيري» بشأن حل الحرب. وأكد ترامب مجدداً أن «الهدف الرئيسي هو، وسيظل دائماً، ألا تمتلك إيران، بأي طريقة أو أي شكل من الأشكال، سلاحاً نووياً».
وقال لقناة فوكس نيوز إن هناك قناة اتصال خلفية مباشرة بين المسؤولين الأمريكيين وأعضاء الحرس الثوري، لكنه لم يتطرق إلى أي محادثات جارية، واكتفى بالقول إن الإيرانيين «لاعبون جيدون، لكنهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة». ولفت إلى أن «الحصار البحري يواصل إلقاء ضغوط اقتصادية جديدة على النظام الإيراني».
غير أن المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني، حسين محبي، نفى تصريحات ترامب بمزاعم وجود قنوات اتصال غير رسمية بين الحرس الثوري والولايات المتحدة. وقال لوكالة «تسنيم»: «لا مفاوضات جارية حالياً بين ممثلي الحرس الثوري والأمريكيين.. هذه كذبة ترامب، إنها مجرد وهم تغذيه كوابيس ناتجة عن الهزيمة».
الحرب الاقتصادية
إلى ذلك، ذكرت وكالة أنباء مهر أن إيران تخطط لاتخاذ إجراءات بعد أن أوضح الرئيس الأمريكي أن ممارسة الضغوط الاقتصادية جزء من أحدث استراتيجية لواشنطن.
وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن الولايات المتحدة ستطبق إجراءات «لم يسبق لها مثيل» على إيران. وذلك بعد أن ألمح ترامب إلى خطط لخنق إيران اقتصادياً قائلاً: «نحن في مرحلة شبه تفاوض.. ونراقب إيران فقط في ظل التضخم الهائل الذي تعاني منه وحقيقة أنها لا تملك المال».
وقد وصلت معدلات التضخم في إيران إلى «مستويات مقلقة»، حيث باتت العديد من عائلات الطبقة العاملة غير قادرة على تحمل تكاليف المواد الغذائية الأساسية، وفقًا لوسائل الإعلام الإيرانية الحكومية.
ووفق وكالة أنباء العمل (إيلنا)، فإن معدل التضخم السنوي، الذي تم قياسه على مدى فترة الـ 12 شهرًا التي سبقت شهر يوليو، يبلغ 66 %، و«يواجه عامة الناس - وخاصة العمال والمتقاعدين الذين تبلغ دخولهم الحد الأدنى للأجور - صعوبات بالغة في توفير أبسط الضروريات الأساسية للحياة».
ونقلت الوكالة عن المركز الإحصائي الإيراني أن أسعار المواد الغذائية قد تضاعفت أكثر من مرتين منذ يوليو 2025، حيث أصبحت المواد الغذائية الأساسية مثل البيض والأرز واللحوم والخبز بمنزلة «سلع فاخرة» بالنسبة للكثيرين.
بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، لا يستطيع العديد من العمال الآن تغطية نفقاتهم المعيشية إلا لثمانية أيام في الشهر حيث «يبقى العمال بلا دخل فعلي لأكثر من 20 يوماً في الشهر».
وقال محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، إن تحسين سبل عيش الناس لا يزال يمثل الأولوية القصوى، محذراً من أن «استراتيجية العدو تتمثل في استغلال موجة ارتفاع الأسعار».
وأمر عارف بـ«تكثيف الرقابة على السوق» وقال إن «هيئات التفتيش يجب أن تتعامل بجدية مع المغالاة في الأسعار والاحتكار». كما أعلن عارف أن مقرًا مركزيًا للإشراف على السوق سيبدأ باتخاذ إجراءات قانونية إذا استمرت الانتهاكات، مشيراً إلى خطوات حاسمة لمواجهة الضغوط المالية من بينها تحرير الأسعار وخفض حصص البنزين تدريجياً.
◄ مذكرة تفاهم إسلام آباد لم تسقط
لا تزال نافذة الدبلوماسية للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب مفتوحة، حيث نقلت قناة «إم إس ناو» الأميركية عن مسؤول حكومي باكستاني قوله إنَّ المفاوضات بين واشنطن وطهران لا تزال مستمرة بهدف فتح مضيق هرمز وإنهاء الحرب.
من جهتها، شددت وزارة الخارجية الإيرانية على أن «اتفاق إسلام آباد لم يسقط، وإمكانية العودة له قائمة»، ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية «إرنا» عن المدير العام للشؤون القانونية في الخارجية الإيرانية قوله: «إنَّ مذكرة تفاهم إسلام آباد يمكن وصفها بأنها في غيبوبة، ولذلك لا تزال هناك إمكانية لإحيائها لكننا مستعدون لجميع الخيارات».
اقرأ أيضا بنفس القسم
تهديد صريح لأمن واستقرار إقليم كردستان
في قضية «وكيل النفط»
نائب رئيس الوزراء وزير خارجية الإمارات أشاد بيقظة الأجهزة الأمنية وإحباط مخطط داعش الإرهابي
وزير الخزانة الأميركي هدد طهران بعزلة «لم يشهدها العالم»
تعيين صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان رئيساً لمجلس إدارة هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية
البحث
الأكثر قراءة






