
في خضمّ التصعيد السياسي الذي رافق مساعي الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لضمّ «غرينلاند» الدنماركية، وما تلاه من خلافات متشعّبة مع فرنسا حول الملف ذاته وقضايا أخرى، بينها مجلس السلام الخاص بغزة، فجّر ترامب جدلاً واسعاً حين نشر على منصته «تروث سوشيال» لقطات شاشة من محادثة خاصة جمعته بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
المنشور، الذي سرعان ما انتشر على نطاق واسع عبر الإنترنت، ألقى ضوءاً نادراً على كواليس التواصل بين قادة العالم خلف الأبواب المغلقة. ورغم أن ترامب لم يعرض الرسائل كاملة، فإن نبرة الحديث والتلميحات الواردة فيها أوحت بوضوح بأن المحادثة كانت سرية بطبيعتها. وأكد مصدر مقرّب من الرئاسة الفرنسية لوكالة الأنباء الفرنسية صحة الرسالة المتداولة.
وبينما انصبّ الاهتمام على مضمون الحوار، طُرحت أسئلة أكثر حساسية تتعلق بالخصوصية الرقمية وبروتوكولات التواصل بين رؤساء الدول: أي تطبيق استخدم في هذه المراسلة؟ الجواب جاء سريعاً بأنه تطبيق «سيغنال».
ورغم الشعبية الجارفة لتطبيقي «واتس أب» و«تليغرام» حول العالم، فإن أياً منهما لا يُعد الخيار المفضّل لدى قادة الدول عندما يتعلّق الأمر بالمحادثات الحسّاسة والمشفّرة. فقد سبق أن تصدّر ماكرون عناوين الأخبار بسبب استخدامه «سيغنال» في مراسلاته الخاصة، كما لجأ فريق ترامب نفسه إلى التطبيق لإجراء محادثات عاجلة، بل وتبادلوا عبره خططاً عسكرية العام الماضي.
لماذا «سيغنال»؟
يُصنَّف «سيغنال» اليوم كأحد أكثر تطبيقات المراسلة أماناً على مستوى العالم، بفضل اعتماده تشفيراً كاملاً من الطرف إلى الطرف، وسياسة صارمة في تقليل جمع البيانات. وعلى خلاف معظم المنصات التجارية، لا يحتفظ التطبيق بمحتوى الرسائل على خوادم مركزية، ما يقلّص إلى حدّ كبير فرص وصول أطراف خارجية – حكومية كانت أو تقنية – إلى المحادثات.
هذا المستوى الاستثنائي من الحماية جعله الخيار المفضّل لشرائح واسعة من الصحافيين والناشطين السياسيين والمسؤولين الحكوميين حول العالم. وبالنسبة للمستخدم العادي، لا يختلف «سيغنال» كثيراً في واجهته ووظائفه عن «واتس أب» أو «تليغرام»: رسائل نصية، مكالمات صوتية ومرئية، ورسائل تختفي تلقائياً بعد فترة زمنية محددة. غير أن الفارق الجوهري يكمن في ما لا يُرى: بنية تشفير صُممت خصيصاً لحماية أسرار الدولة كما تحمي خصوصية الأفراد.
ضربة موجعة للدبلوماسية
غير أن الصدمة الكبرى لم تكن في مضمون الرسائل، بل في قرار ترامب نشرها علناً، فهذا السلوك مثّل، بنظر كثير من المراقبين، خرقاً صارخاً للأعراف الدبلوماسية التي تقوم في جوهرها على الثقة والسرية.
فالدبلوماسية، بطبيعتها، فن إدارة ما يُقال في الخفاء قبل العلن. ويعتمد قادة الدول على سرية المراسلات لاستكشاف الحلول وتبادل التقييمات وتفادي الإحراج السياسي. لكن بإخراجه رسالة ماكرون إلى العلن، بعث ترامب بإشارة مقلقة إلى العالم مفادها أن المحادثات الخاصة معه قد لا تبقى كذلك.
ويرى دبلوماسيون مخضرمون أن هذه السابقة قد تُحدث أثراً عميقاً في مستقبل العلاقات الدولية، إذ ستدفع قادة العالم إلى التريّث قبل الإدلاء بآرائهم الصريحة أو الدخول في مفاوضات حساسة. كما قد تعقّد مسارات السلام وإدارة الأزمات وبناء التحالفات، في ظل خشية متزايدة من أن تتحول المراسلات السرية إلى أدوات للمزايدة السياسية أو تحقيق مكاسب داخلية.
وهكذا، لم يسلّط هذا الحدث الضوء فقط على خفايا السياسة العالمية، بل أعاد طرح سؤال جوهري في عصر الاتصالات الرقمية:
هل تكفي أقوى تقنيات التشفير لحماية الدبلوماسية... إذا غابت الثقة بين القادة أنفسهم؟
اقرأ أيضا بنفس القسم
فرصة لأمطار متفرقة رعدية أحيانًا.. ومتوسطة الكمية
نظام مبتكر للكشف عن اضطرابات الدماغ باستخدام الإشعاع
وفق الضوابط الفلكية المعتمدة
وعائدات سياحية تبلغ 135 مليار يورو
طوّرته شركة «إيلي ليلي»، وتوقعات بأن يُحدث نقلة نوعية في علاج السمنة المفرطة ومرض السكري
البحث
الأكثر قراءة






